المفارق قصة قصيرة بقلم عماد محمد سالم

اذهب الى الأسفل

المفارق        قصة قصيرة       بقلم عماد محمد سالم Empty المفارق قصة قصيرة بقلم عماد محمد سالم

مُساهمة  Admin في الأحد يناير 09, 2011 9:12 am




قطار يتلكأ .. يزحف ببطئ شديد .. يحمل فوقه أطنان من الغلال .. قطار
الصوامع ..ينتهك المارة حرمته ..ويعبرون من تحته الى الناحية الأخرى أثناء سيره ,
ويصعد كل شباب المنطقة فوقه , ويسلبونه أمانته التى على ظهره .. وهذا يحدث دائما
عندما يمر القطار على المفارق ..والمفارق منطقة عشوائية فى أطراف البصراوى ..
والبصراوى عشوائية من عشوائيات أمبابة التى تعتبر أيضا عشوائية .. بركان يوشك أن ينفجر , وتخرج منه
حمم بركانية تحرق المجتمع كله ..المفارق منطقة تجمع بين طياتها بشرا من نوع خاص
لايمكن أن تلتقى بهم إلا فى المفارق .طيبون جدا ..جدا ,وأشرار جدا ..جدا , كل
المشاعر تتصارع فى شخص واحد , يكون طيب وشرير وفاسق وواعظ يقدم لك النصيحة .


كل الناس هنا يجمعون كل الصفات الأنسانية والمشاعر بتطرف شديد ..غضب ,
وقسوة يتعاركون لأتفه الأسباب .. حنان وحب لدرجة غريبة يوجه الى ذويهم دون باقى
البشر . كلهم متطرفو المشاعر والسلوك إلا مصطفى ..الذى يسكن فى منزل قديم فى وسط
الحارة مكون من أربعة طوابق .. كل طابق به ثلاثة غرف وكل غرفة بها عائلة كبيرة وكل
دور به حمام واحد مشترك ..أما السطوح ففيه غرفة واحدة مستقلة يسكنها مصطفى الطالب
بكلية الحقوق جامعة القاهرة .. بعدما
حصل مصطفى على الثانوية العامة من العلاقمة- مركز هيهيا – محافظة الشرقية ..قدم
أوراقه لمكتب التنسيق ...وتحقق حلم حياته فى تحقيق رغبة أبيه أن يدخل حقوق القاهرة
بالذات كى يصبح وزيرا .. وقد كان هذا أمل والده فى الحياه ..الذى ظل بدون زوجة بعد
وفاة والدة مصطفى وعاش ليربى ولده ويعده ليكون وزيرا ..


دخل مصطفى الكلية ولكنه لم يجد
مكانا له فى المدينة الجامعية, وبدأ رحلة البحث عن سكن رخيص فى مصر كى يستطيع إن
يكمل تعليمه فى ظروفه المادية الصعبة , ولم يجد أرخص من هذه الغرفة فى بيت تملكه
أمرأة عجوذ تدعى أم أشرف , وإيجار الغرفة فقط عشرون جنيها , إيجار مناسب جدا .. كان
مصطفى مملوءا بالحماس , محبا للثورة , والزعيم جمال عبدالناصر , وتأثر كثيرا
بوفاته لدرجة أنه لم يحتفل بنجاحه , ولم يتقبل التهانى من الأصدقاء , والأهل ..
أحتراما , وحزنا على الزعيم الذى توفى قبل أعلان نتيجة مصطفى بأيام قليلة .. ومصطفى
شاب ريفى شديد التدين والأدب , دامس الخلق ,متكلم , متفتح , مثقف..وله كل السمات
التى جعلت ولده يحلم به وزيرا , وكان دائما يناديه ... معالى الوزير.. كان مصطفى ينظر لشباب المفارق نظرة أستغراب ,
كيف ينامون طوال النهار , ويسهرون كل الليل وأذا أدركو جزءا من النهار أضاعوه , أما
على القهوة أو فى خوض المعارك بالسنج ,
والشوم مع قاطنى الحوارى المجاورة ..هذه طاقات مهدرة ..لماذا يقتل الشباب نفسه ؟
..أنه موت بطيئ..يعرضون حياتهم للخطر ..يوقفون قطار الصوامع ويأخذون الغلال ,
ويبيعونها فى سوق الجمعة , وأذا لم يمر القطار على المفارق يجلسون على القهوة ,
فيضيع اليوم فى لعب الدومينو , والطاولة ..والذى يخسر.. عليه أن يدفع ثمن
المشروبات.. أهؤلاء
أحياء ؟ كيف يعيشون ؟ .. أنه موت
..وليست حياه ..هذه طاقات مهدرة .. لماذا يقتلون أنفسهم بهذه الطريقة..أذن الفجر
فقام مصطفى وذهب إلى مسجد الفرقان الذى يتربع على ناصية شارع مطار أمبابة , وبعد
أنتهاء الصلاة وقف على عربية الفول القابعة أمام المسجد .. فعم
أحمد في انتظار خروج المصلين لتناول الفول الصابح اللذيذ. وعربية عم احمد ملونة بألوان كثيرة كلها زاهية


وينظف العربية وجوارها من كل
الأتجاهات


حتي يسلم من البلدية ..الذين يأخذون منه أموالا كثيرة تشبه الايجار
الأسبوعي.. لكي يبقي يبيع


الفول في هذا المكان.. وكان عم احمد يعرف
زبائنه جميعهم بالاسم فكلهم رواد المسجد , وهو
يعمل بعد الفجر حتى الثامنه صباحا فقط , وكل الوجوه تتكررعليه يوميا... صباح
الخير يا استاذ/مصطفى.. صباح الفل يا عم احمد .. يقدم اليه طبق
الفول , ويأخذه مصطفى قائلا : اشكرك يا عم احمد ...هل انت من سكان المنطقة ياعم
احمد ؟ نعم
انا من سكان المفارق ..هل تعجبك احوال الشباب وما يفعلونة ؟ سرح عم احمد وكأنه راح فى بلاد بعيده , ولم يرد ..لماذا
لا ترد يا عم احمد ؟ هز
عم احمد راسه قائلا : كل شىء مكتوب ..و والله يجازى الى كان السبب.. خلى الطابق
مستور يا أستاذ/ مصطفى لا يوجد سبب في
العالم يدفع الانسان لقتل نفسه بهذه الطريقة ...
عم احمد :احسن الله ختامك يا مصطفى ... انصرف مصطفى بعد ان امتلئ بالحيرة ,
ورجع غرفته.. حيث يبدأ المذاكرة يومياً ..من بعد صلاة الفجر ... حتى الذهاب للجامعه ....... فات الكتير ولا يبقى
غير القليل.. فأنا فى السنة الثالثة وامامى سنة بعد ذلك ساكون معيداً او وكيلاً
للنيابه ....


وهذا هو اول الطريق كي اصبح وزيراً.. واحقق حلم ابى ...... قونى يا رب.. واصل مصطفى كفاحه واجتهاده, وظهرت ثمار الكفاح ...فقد نجح مصطفى وحصل على
اليسانس.. تقدير عام جيد جداً ..وهو تقدير عظيم فى كلية الحقوق رقصت الدنيا..وتزينت
لمصطفى هذا هو اول الطريق المؤدى للوزارة كى اصبح وزيراً ,واحقق حلم ابي... النيابة
أول الطريق...أخذ مصطفى أوراقه وقدمها للنيابة , فقد ضمن أنه سيصبح معيدا فى
الجامعة وذلك لحصوله على أعلى الدرجات , فهو أول الدفعة على الأطلاق .ولم يحصل أحد
غيره على تقدير جيد جداً..معيد..لا تكفى ..لابد أن أكون وكيلا للنيابة ليفخر بى
أبى.., ودون أسباب لم يقبل مصطفى فى النيابة ...


تقدم مصطفى الى النيابه يطلب افادة بالأسباب التى بنى عليها رفض قبوله فى
النيابة العامة وبدأ يتابع الطلب .. كل اسبوع ... توجه مصطفى
للجامعة ليعرف موقفة من التعين ليلاقى مفاجئة أخرى فى أنتظاره فقد تم تعين اربعة من الطلبة اقل منة التقدير وبدون
أبداء أية أسباب ..... حزن مصطفى حزناً شديداً وأراد ان يحطم كل جدران
الجامعة ...... وفهم مشاعر الناس الذين يعيشون في المفارق ......وكيف ان الظلم الكبير
الذى يقع على الناس يجعلهم يكرهون كل شىء و يحقدون على كل الناس.. استغفر الله ..لا بد اشكر الله على كل حال
.....هناك حكمه فى ذلك لا يعلمها الا الله ..ان العمل فى الجامعة سيعطلنى كثيراً ,
والعمل فى النيابة كان سيقتل الوقت ويجعلنى لا استطيع ان اكمل دراستى واحصل على
الدكتوراه .. خيراً........ لعله خير ....ولكن ماذا اقول لابي ؟ وأثناء تفكيره .. , ....... وحيرته دق الباب
.... ساعى البريد ..... تلغراف احضر حالاً......والدك يطلب رؤيتك ..... هرع مصطفى
للعلاقمة ..... دخل البيت ......الذى تحول الى غيط من الحزن .......مات الرجل قبل
ان يفرح بأبنه الذى سيصبح وزيراً ...اعتصر الحزن قلب مصطفى .. وفقد توازنه تماماً
, ورجع الى المفارق , وما الذى يجعله يظل
في العلاقمة فقد مات ابوه ..وضاع كل شىء يربطه بالمكان.. ضاع الاب وضاعت الجامعة
والنيابة .. اصبحت وحيداً بلا هدف .. اين اذهب ؟.. جلس مصطفى يفكر فيما يفعل ... توجه لعميد الكلية ليجد عنده
الدكتور /رمزى .. ظل واقفاً لايتكلم حتى سمح له العميد بالجلوس و بالكلام .. كيف
لا اقبل معيد يا سيادة العميد وانا اول الدفعة وهم الاربعة ليسوا فى درجتي ولا
تقديري ...اجاب العميد/ انها سياسة الجامعة وانا مشغول الان.. اكتب لى طلب , واتركه
فى شئون الطلبه... خرج مصطفى مهزوماً منكسراً , وخرج ورائه د/رمزي.. لاتغضب
ياعزيزي هذه مصر.. ان الاربعة معيدين هم من ابناء الاساتذة واى اساتذة ..انهم
اقطاب الحزب الحاكم ..لهم الاولوية فى كل شئ .. ومرت سنة وراء سنة
ولم يقم احد في النيابة بافادة مصطفى بالاسباب التي لم يقبل على اساسها فهو متفوق
حسن المظًهر ليس له نشاط سياسي ولا احد من اسرته ...ليس فيه عيب الا انه فقير, وهذا هو السبب الوحيد الظاهرامامه.. امام اصرار
مصطفى على معرفه الأسباب سأله سكرتير النيابه.. لماذا تشغل نفسك يا بنى بالاسباب ؟



فأنت لم تقبل ولن تقبل فما الذى تستفيده من معرفة الاسباب..؟ عموماً وكلاء النيابة المقبولين جميعهم ابناء
قضاه ومستشارين وموظفين كبار فى وزارة العدل , وانت..... تلقى
مصطفى كلمات سكرتير النيابة كأنه يتلقى طلقات من الرصاص تخترق احشائه ...كل شىء انتهى
وضاع.. ماذا افعل ؟ واين اذهب بسنين الكفاح وعمرى اللى ضاع فى الدراسه والعذاب
والبحث اين اذهب ؟ جلس مصطفى على
القهوة حتى قال له حمودة القهوجى شطبنا يا استاذ / مصطفى , وهى ليست عادتك فأنا أول مرة اراك تجلس
على القهوة مثل باقى شباب المفارق ....
نظر اليه مصطفى وهو يقف استعداداً للرحيل من القهوة ليصعد الى غرفته .. مر اليوم دون
ان يصلى ..او يذاكر اويقرأ كعادته ونام مغموماً ولم يصل الفجر‘ ولم يقابل عم احمد
بعد صلاة الفجر ليتناول الفول في جو الفجر البديع ... نزل
مصطفى وجلس على القهوة حتى قال له حمودة القهوجى شطبنا ...وكل يوم يظل جالساً على
القهوجى حتى يقول له حمودة شطبنا .. مرت السنوات وضاع العمرعلى القهوة , وباع صاحب
القهوة قهوته وتغير جميع العاملين وكل شئ فى القهوة تغير حتى حمودة ولكن الشيئ
الوحيد الذى لم يتغير خلال العشرين سنة الماضية هو كرسى مصطفى الذى يجلس عليه فى
نفس المكان وامامه الشيشه ..كل يوم فور أستيقاذه من النوم حتى يأتى القهوجى ويقول
له شطبنا يا مصطفى ........

Admin
Admin
Admin

المساهمات : 110
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

http://emadsalem23.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى